ابن الجوزي
353
زاد المسير في علم التفسير
بيوتكم ) * أي : بيوتا ليست لكم . واختلف القراء في باء البيوت ، فقرأ بعضهم بضمها ، وبعضهم بكسرها . وقد بينا ذلك في [ سورة ] البقرة . قوله تعالى : * ( حتى تستأنسوا ) * قال الفراء : في الكلام تقديم وتأخير ، تقديره : حتى تسلموا وتستأنسوا . قال الزجاج : و " تستأنسوا " في اللغة ، بمعنى تستأذنوا ، وكذلك في هو في التفسير ، والاستئذان : الاستعلام ، تقول : آذنته بكذا ، أي : أعلمته ، وآنست منه كذا ، أي : علمت منه ، ومثله : * ( فإن آنستم منهم رشدا ) * أي : علمتم . فمعنى الآية : حتى تستعلموا ، يريد أهلها أن تدخلوا ، أم لا ؟ قال المفسرون : وصفة الاستعلام أن تقول : السلام عليكم ، أأدخل ؟ ولا يجوز أن تدخل بيت غيرك إلا بالاستئذان ، لهذه الآية ، * ( ذلكم خير لكم ) * من أن تدخلوا بغير إذن * ( لعلكم تذكرون ) * أن الاستئذان خير فتأخذون به ، قال عطاء : قلت لابن عباس : أستأذن على أمي وأختي ونحن في بيت واحد ؟ قال : أيسرك أن ترى منهن عورة ؟ قلت : لا ، قال : فاستأذن . قوله تعالى : * ( فإن لم تجدوا فيها أحدا ) * أي : إن وجدتموها خالية * ( فلا تدخلوا وإن قيل لكم ارجعوا ) * أي : إن ردوكم فلا تقفوا على أبوابهم وتلازموها ، * ( ولا هو أزكى لكم ) * يعني : الرجوع خير لكم وأفضل * ( والله بما تعملون ) * من الدخول بإذن وغير إذن * ( عليم ) * . فصل وهل هذه الآية منسوخة ، أم لا ؟ فيها قولان : أحدهما : أن حكمها عام في جميع البيوت ، ثم نسخت منها البيوت التي ليس لها أهل يستأذنون بقوله تعالى : * ( ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة ) * ، هذا مروي عن الحسن ، وعكرمة . والثاني : أن الآيتين محكمتان ، فالاستئذان شرط في الأولى إذا كان للدار أهل ، والثانية وردت في بيوت لا ساكن لها ، والإذن لا يتصور من غير آذن ، فإذا بطل الاستئذان ، لم تكن البيوت الخالية داخلة في الأولى ، وهذا أصح . قوله تعالى : * ( أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة ) * فيها خمسة أقوال : أحدها : أنها الخانات والبيوت المبينة للسابلة ليأووا إليها ، ويؤووا أمتعتهم ، قاله قتادة . والثاني : أنها البيوت الخربة ، والمتاع : قضاء الحاجة فيها من الغائط والبول ، قاله عطاء . والثالث : أنها بيوت مكة ، قاله محمد بن الحنفية . والرابع : حوانيت التجار التي بالأسواق ، قاله ابن زيد . والخامس : أنها جميع البيوت التي لا ساكن لها ، لأن الاستئذان إنما جعل لأجل الساكن ،